الغزالي

137

إحياء علوم الدين

وكنت تنكح المتنعمات بي ، وتجلس مجالس الملوك بي ، وتنفقني في سبيل الشر فلا أمتنع منك ، ولو أنفقتنى في سبيل الخير نفعتك . خلقت وابن آدم من تراب ، فمنطلق ببرّ ، ومنطلق بإثم ثم قبض ملك الموت روحه فسقط وقال وهب بن منبه : قبض ملك الموت روح جبار من الجبابرة ، ما في الأرض مثله ، ثم عرج إلى السماء ، فقالت الملائكة لمن كنت أشد رحمة ممن قبضت روحه ؟ قال أمرت بقبض نفس امرأة في فلاة من الأرض ، فأتيتها وقد ولدت مولودا ، فرحمتها لغربتها ، ورحمت ولدها لصغره وكونه في الفلاة لا متعهد له بها فقالت الملائكة . الجبار الذي قبضت الآن روحه هو ذلك المولود الذي رحمته . فقال ملك الموت : سبحان اللطيف لمن يشاء قال عطاء بن يسار : إذا كان ليلة النصف من شعبان ، دفع إلى ملك الموت صحيفة ، فيقال اقبض في هذه السنة من في هذه الصحيفة . قال فإن العبد ليغرس الغراس ، وينكح الأزواج ، ويبنى البنيان ، وإن اسمه في تلك الصحيفة وهو لا يدرى وقال الحسن : ما من يوم إلا وملك الموت يتصفح كل بيت ثلاث مرات ، فمن وجده منهم قد استوفى رزقه ، وانقضى أجله . قبض روحه . فإذا قبض روحه أقبل أهله برنة وبكاء ، فيأخذ ملك الموت بعضادتي الباب فيقول : والله ما أكلت له رزقا ، ولا أفنيت له عمرا ، ولا انتقصت له أجلا . وإن لي فيكم لعودة بعد عودة ، حتى لا أبقى منكم أحدا . قال الحسن : فوالله لو يرون مقامه ، ويسمعون كلامه ، لذهلوا عن ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم وقال يزيد الرقاشي : بينما جبار من الجبابرة من بني إسرائيل جالس في منزله . قد خلا ببعض أهله ، إذ نظر إلى شخص قد دخل من باب بيته ، فثار إليه فزعا مغضبا ، فقال له من أنت ؟ ومن أدخلك على دارى ؟ فقال أما الذي أدخلني الدار فربها . وأما أنا فالذي لا يمنع منى الحجاب ، ولا أستأذن على الملوك ، ولا أخاف صولة المتسلطنين ، ولا يمتنع منى كل جبار عنيد ، ولا شيطان مريد قال فسقط في يده الجبار ، وارتعد حتى سقط منكبا على وجهه ، ثم رفع رأسه إليه مستجديا متذللا له ، فقال له : أنت إذا ملك الموت . قال أنا هو . قال فهل أنت ممهلى حتى أحدث عهدا ؟ قال هيهات انقطعت مدتك ، وانقضت أنفاسك ، ونفدت ساعاتك ،