الغزالي
129
إحياء علوم الدين
لأن في كل شعرة الموت ، ولا يقع الموت بشيء إلا مات ويروى [ 1 ] لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت وروي أن إبراهيم عليه السلام لما مات قال الله تعالى له : كيف وجدت الموت يا خليلي ؟ قال كسفّود جعل في صوف رطب ثم جذب فقال : أما إنا قد هوّنا عليك وروي عن موسى عليه السلام أنه لما صارت روحه إلى الله تعالى قال له ربه : يا موسى كيف وجدت الموت ؟ قال وجدت نفسي كالعصفور حين يقلي على المقلى ، لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير . وروي عنه أنه قال : وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] أنه كان عنده قدح من ماء عند الموت ، فجعل يدخل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه ويقول « اللهمّ هوّن عليّ سكرات الموت » [ 3 ] وفاطمة رضي الله عنها تقول : وا كرباه لكربك يا أبتاه ! وهو يقول « لا كرب على أبيك بعد اليوم » . وقال عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار : يا كعب ، حدثنا عن الموت . فقال نعم يا أمير المؤمنين : إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل ، وأخذت كل شوكة بعرق ، ثم جذبه رجل شديد الجذب ، فأخذ ما أخذ ، وأبقى ما أبقى وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وإنّ مفاصله ليسلَّم بعضها على بعض تقول عليك السّلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة » : فهذه سكرات الموت على أولياء الله وأحبابه ، فما حالنا ونحن المنهمكون في المعاصي ! وتتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدواهي ! فإن دواهي الموت ثلاث الأولى : شدة النزع كما ذكرناه