الغزالي
125
إحياء علوم الدين
في لا شيء ، فإن الأمر محفوظ عليك ، ولم تر شيئا قط أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم الباب الثالث في سكرات الموت وشدته وما يستحب من الأحوال عنده اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ، ولا هول ، ولا عذاب ، سوى . سكرات الموت بمجردها ، لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ، ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته ، وحقيقا بأن يطول فيه فكره ، ويعظم له استعداده ، لا سيما وهو في كل نفس بصدره . كما قال بعض الحكماء : كرب بيد سواك ، لا ندري متى يغشاك وقال لقمان لابنه : يا بني ، أمر لا تدري متى يلقاك ، استعد له قبل أن يفجأك والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات وأطيب مجالس اللهو : فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات ، لتكدرت عليه لذته وفسد عليه عيشه . وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع ، وهو عنه غافل . فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها ، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه . فأما القياس الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم . فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح . فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح ، فبقدر ما يسرى إلى الروح يتألم . والمؤلم يتفرق على اللحم ، والدم ، وسائر الأجزاء ، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم . فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقى غيره ، فما أعظم ذلك الألم وما أشده ! والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح ، فاستغرق جميع أجزائه ، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم . فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجرى في جزء من الروح يلاقى ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة .