الغزالي

11

إحياء علوم الدين

لنفسك وقلبك ، ولا يغرنك اجتماعهم عليك ، فإنهم يراقبون ظاهرك ، والله رقيب على باطنك وحكي أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب ، وكان يكرمه ويقدمه ، فقال له بعض أصحابه : كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ ! فدعا بعدة طيور ، وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا ، وقال : ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد . ودفع إلى الشاب مثل ذلك ، وقال له كما قال لهم . فرجع كل واحد بطائره مذبوحا ، ورجع الشاب والطائر حي في يده . فقال مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد ، إذ الله مطلع عليّ في كل مكان : فاستحسنوا منه هذه المراقبة ، وقالوا حق لك أن تكرم وحكي أن زليخا لما خلت بيوسف عليه السلام . قامت فغطت وجه صنم كان لها ، فقال يوسف : ما لك ؟ أتستحيين من مراقبة جماد ، ولا أستحيي من مراقبة الملك الجبار ! وحكي عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها ، فقالت له : ألا تستحيي ؟ فقال ممن أستحيي وما يرانا إلا الكواكب ؟ قالت فأين مكوكبها ؟ وقال رجل للجنيد : بم أستعين على غض البصر ؟ فقال : بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه . وقال الجنيد . إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عز وجل وعن مالك بن دينار قال : جنات عدن من جنات الفردوس ، وفيها حور خلقن من ورد الجنة . قيل له ومن يسكنها ؟ قال : يقول الله عز وجل . إنما يسكن جنات عدن الذين إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبونى ، والذين انثنت أصلابهم من خشيتي . وعزتي وجلالي ، إني لأهم بعذاب أهل الأرض ، فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب وسئل المحاسبي عن المراقبة فقال : أولها علم القلب بقرب الرب تعالى وقال المرتعش : المراقبة مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة ويروى أن الله تعالى قال لملائكته : أنتم موكلون بالظاهر ، وأنا الرقيب على الباطن وقال محمد بن علي الترمذي : اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك ، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك ، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه ، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه وقال سهل : لم يتزين القلب بشيء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله شاهده حيث كان