الغزالي
116
إحياء علوم الدين
وقال عبد الله بن ثعلبة : تضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار ! وقال أبو محمد بن علي الزاهد : خرجنا في جنازة بالكوفة ، وخرج فيها داود الطائي ، فانتبذ فقعد ناحية وهي تدفن ، فجئت فقعدت قريبا منه ، فتكلم فقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد . ومن طال أمله ضعف عمله . وكل ما هو آت قريب واعلم يا أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم ، واعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور ، إنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون . فما ندم عليه أهل القبور أهل الدنيا عليه يقتتلون ، وفيه يتنافسون ، وعليه عند القضاة يختصمون وروي أن معروفا الكرخي رحمه الله تعالى أقام الصلاة . قال محمد بن أبي توبة : فقال لي تقدم : فقلت : إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها . فقال معروف : وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى ! نعوذ باللَّه من طول الأمل ، فإنه يمنع من خير العمل وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : إن الدنيا ليست بدار قراركم . دار كتب الله عليها الفناء ، وكتب على أهلها الظعن عنها . فكم من عامر موثق عما قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى إنما لدنيا كفيء ظلال قلَّص فذهب ، بينا ابن آدم في الدنيا ينافس وهو قرير العين ، إذ دعاه الله بقدره ، ورماه بيوم حتفه فسلبه آثاره ودنياه ، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر . إنها تسر قليلا وتحزن طويلا . وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يقول في خطبته أين الوضاءة الحسنة وجوههم ؟ المعجبون بشبابهم ؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر ، فأصبحوا في ظلمات القبور . الوحا ) * « 1 » الوحا ثم النجا النجا بيان السبب في طول الأمل وعلاجه اعلم أن طول الأمل له سببان : أحدهما الجهل ، والآخر حب الدنيا أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنس بها ، وبشهواتها ، ولذاتها ، وعلائقها ، ثقل على قلبه
--> « 1 » الوحا الوحا : السرعة السرعة