الغزالي

9

إحياء علوم الدين

عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها . فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة فيها ، والانقياد للحق في مجاريها ، ويحذّرها مغبة الإهمال ، ويعظها كما يوعظ العبد الآبق المتمرد ، فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات ، مستعصية عن العبودية ، ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها ، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين . فهذا وما يجرى مجراه هو أول مقام المرابطة مع النفس ، وهي محاسبة قبل العمل والمحاسبة تارة تكون بعد العمل ، وتارة قبله للتحذير . قال الله تعالى * ( واعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوه ُ ) * « 1 » وهذا للمستقبل . وكل نظر في كثرة ومقدار لمعرفة زيادة ونقصان فإنه يسمى محاسبة . فالنظر فيما بين يدي العبد في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة . وقد قال الله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا ) * « 2 » وقال تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) * « 3 » وقال تعالى * ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نَفْسُه ُ ) * « 4 » ذكر ذلك تحذيرا وتنبيها للاحتراز منه في المستقبل . وروى [ 1 ] عبادة بن الصامت ، أنه عليه السلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه « إذا أردت أمرا فتدبّر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيّا فانته عنه » وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة ، فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة الشهوة . وقال لقمان : إن المؤمن إذا أبصر العافية أمن الندامة . وروى شداد بن أوس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال [ 2 ] « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله » دان نفسه أي حاسبها . ويوم الدين يوم الحساب . وقوله * ( أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ) * « 5 » أي لمحاسبون وقال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ، وتهيؤا للعرض الأكبر . وكتب إلى أبي موسى الأشعري : حاسب نفسك في الرخاء قبل

--> « 1 » البقرة : 235 « 2 » النساء : 94 « 3 » الحجرات : 6 « 4 » ق : 16 « 5 » الصافات : 52