وهبة الزحيلي

85

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وكانت عادة القرآن تقديم قصة عاد على ثمود ، إلا أنه قلب هاهنا ؛ لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ، ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر . فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى ، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ؟ أي فتشاهد إن كنت حاضرا أولئك القوم في ديارهم أو في تلك الأيام والليالي مصروعين بالأرض موتى ، كأنهم أصول نخل ساقطة أو بالية ، لم يبق منهم أحد ، فهل تحس منهم من أحد من بقاياهم ؟ بل بادوا عن آخرهم ، ولم يجعل اللّه لهم خلفا ، كما جاء في قوله تعالى : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف 46 / 25 ] . و ثبت في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور » . وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ أي وأتى الطاغية فرعون ومن تقدمه من الأمم الكافرة وأهل المنقلبات قرى قوم لوط بالفعلة الخاطئة ، وهي الشرك والمعاصي . فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ، فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها ، فأهلكهم اللّه ودمّرهم ، وأخذهم أخذة أليمة شديدة زائدة على عقوبات سائر الكفار والأمم . ونظير مطلع الآية قوله تعالى : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ، فَحَقَّ عِقابِ [ ص 38 / 14 ] وقوله سبحانه : كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ، فَحَقَّ وَعِيدِ [ ق 50 / 14 ] ومن كذب برسول فقد كذّب الجميع ، كما قال تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء 26 / 105 ] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء 26 / 123 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء 26 / 141 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء 26 / 160 ] .