وهبة الزحيلي

73

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد تخويف الكفار بأهوال يوم القيامة وشدائدها ، خوّفهم تعالى وهددهم بما في قدرته من القهر ، ففيه الكفاية بالجزاء لمن يكذب بالقرآن ، ثم أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر ، ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس عليه السالم ، ثم أخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن حسد قومه ، وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبّره وشجعه ، ثم أعلم الناس قاطبة أن القرآن عظة للجن والإنس جميعا ، يتلقاه أهل العقول والأفهام ، وليس المجانين كما زعموا . التفسير والبيان : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي دعني وإياهم ، وخلّ بيني وبينهم ، واترك أمر هؤلاء المكذبين بالقرآن ، فأنا أكفيك أمرهم ، وأعلم كيف أجازيهم ، فلا تشغل قلبك بشأنهم ، فإنا سنأخذهم بالعذاب على غفلة ، ونسوقهم إليه درجة فدرجة ، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج ؛ لأنهم يظنونه إنعاما ، ولا يفكرون في عاقبته ، وما سيلقون في نهايته . وهذا تهديد شديد ، وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فهم لا يشعرون أن الإنعام استدراج ، بل يعتقدون أن ذلك من اللّه تعالى كرامة ، وهو في الأمر نفسه إهانة كما قال تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون 23 / 55 - 56 ] وقال سبحانه : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام 6 / 44 ] . وقال اللّه تعالى هنا : وَأُمْلِي لَهُمْ ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي أمهلهم وأؤخرهم ليزدادوا إثما ، ويتورطوا ، فإن تدبيري وكيدي لأهل الكفر قوي شديد ، فلا يفوتني شيء لكل