وهبة الزحيلي
53
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أخرج الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا أبا داود عن حارثة بن وهب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعّف « 1 » ، لو أقسم على اللّه لأبرّه ، ألا أنبئكم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ « 2 » مستكبر » . ثم ذكر اللّه تعالى بعض دوافع ومظاهر كبره وكفره ، فقال : 9 - 10 : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ أي أيكفر باللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأن اللّه أنعم عليه بالأموال والبنين ، حيث جعل جزاء النعم الكفر والجحود ؟ فذلك لا ينفعه عند ربّه . وهذا تقريع وتوبيخ على مقابلة ما أنعم اللّه عليه من المال والبنين بالكفر بآيات اللّه تعالى والإعراض عنها . وقال الزمخشري : متعلق بقوله : وَلا تُطِعْ ، يعني : ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال ، أي ليساره وحظه من الدنيا . إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي وإنه إذا تليت عليه آيات القرآن ، زعم أنها كذب مأخوذ من قصص وأباطيل القدماء ، وليس هو من عند اللّه تعالى . وهذا كقوله تعالى حكاية عن هذا الطاغية الجبار : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ، كَلَّا ، إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ المدثر 74 / 11 - 25 ] .
--> ( 1 ) روي بكسر العين وفتحها ، والمشهور الفتح ، ومعناه : يستضعفه الناس ويحتقرونه ، وبالكسر : المتواضع المتذلل . ( 2 ) الجوّاظ : الجمّاع المنّاع ، الذي يجمع المال ويمنعه .