وهبة الزحيلي

43

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وختمت السورة بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر على أذى المشركين ، وحذرته من التبرم والتضجر في تبليغ دعوته ، حتى لا يكون مثل يونس عليه السلام : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ . . وأعلنت حمايته من أذاهم ، ودحضت افتراءهم بأنه مجنون ، وردت عليهم بأن القرآن عظة وعبرة للعالمين ، فكيف يكون المنزل عليه مجنونا : وَإِنْ يَكادُ . . إلى آخر السورة . فضلها : هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت على ما روي عن ابن عباس : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثم هذه ، ثم المزمل ، ثم المدثر . كمال الدين والخلق عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 1 إلى 7 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) الإعراب : ن في موضع نصب إما بتقدير : اقرأ نون ، أو بتقدير : أقسم بنون ، فحذف حرف القسم ، فاتصل الفعل به ، فنصبه ، وعلى هذا يكون : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ جواب القسم . وقال أبو حيان : ن من حروف المعجم ، نحو ص و ق ، وهو غير معرب كبعض الحروف التي جاءت مع غيرها مهملة من العوامل ، والحكم على موضعها بالإعراب تخرص . بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي بأيكم الفتنة ، كما يقال : ماله معقول ، أي عقل ، وقيل : الباء في بِأَيِّكُمُ زائدة ، وتقديره : أيكم المفتون ، أي المجنون .