وهبة الزحيلي

326

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والنار ، فقال مبينا النوع الخامس من أنواع التهديد : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي يقال للكفار من قبل خزنة جهنم : اركضوا أو سيروا واذهبوا إلى ما كنتم تكذبون به من العذاب الأخروي في الدنيا . ثم وصف اللّه تعالى هذا العذاب بأربع صفات ، بقوله : 1 - انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ هذا تهكم بهم ، معناه : سيروا إلى ظل من دخان جهنم متشعب إلى شعب ثلاث أو فرق ، فإن لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان ، صار له ثلاث شعب من شدته وقوته . والمراد أنهم يتنقلون من عذاب إلى آخر ، وأن العذاب محيط بهم من كل جانب ، كما قال تعالى : أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف 18 / 29 ] وسرادق النار : هو الدخان فتكون تسمية النار بالظل مجازا من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب ، كقوله سبحانه : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر 39 / 16 ] وقوله : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ العنكبوت 29 / 55 ] . 2 ، 3 - لا ظَلِيلٍ ، وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وهذا أيضا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين ، فذلك الظل لا يمنع حرّ الشمس ، وليس فيه برد ظلال الدنيا ، ولا يفيد في رد حرّ جهنم عنكم شيئا ؛ لأن هذا الظل في جهنم ، فلا يظلهم من حرها ، ولا يسترهم من لهيبها ، كما جاء في آية أخرى : فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة 56 / 42 - 44 ] . واللهب : ما يعلو على النار إذا اضطرمت ، من أحمر وأصفر وأخضر . 4 - إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ أي إن هذه النار يتطاير منها شرر متفرق ، كل شرارة من شررها التي ترمي بها كالقصر ( البناء العظيم ) في العظم والارتفاع ، وكالإبل الصفر في اللون والكثرة والتتابع وسرعة