وهبة الزحيلي
319
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ من نطفة مذرة ذليلة ، أو من ماء ضعيف ، وهو المني . فِي قَرارٍ مَكِينٍ أي مستقر حريز حصين ، وهو الرحم . إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ إلى زمان معلوم أو إلى مقدار معلوم من الوقت ، وهو وقت الولادة ، قدره اللّه تعالى . فَقَدَرْنا على تصويره وخلقه . فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على ذلك ، أو على الإعادة . كِفاتاً ضامة جامعة ، من كفت الشيء : إذا ضمه وجمعه . أَحْياءً وَأَمْواتاً الأحياء : ما ينبت ، والأموات : ما لا ينبت . رَواسِيَ شامِخاتٍ جبالا مرتفعة . فُراتاً عذبا . المناسبة : بعد تحذير الكفار وإنذارهم بأهوال يوم القيامة ، أعقبه بتخويفهم وتحذيرهم عن الكفر ، بالإهلاك كإهلاك الأمم المتقدمة ، ثم هددهم بإنكار إحسانه إليهم ، مبينا أمثلة ومظاهر لقدرة اللّه عز وجل ، كخلق الإنسان وحواسه ، والأرض وتثبيتها بالجبال الشامخات ، وتزويدها بينابيع المياه العذبة ، وذلك كله يستدعي شكر نعم اللّه في النفس والآفاق . التفسير والبيان : هدد اللّه تعالى الكفار بقوله : أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ؟ أي ألم نهلك الكفار المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به من الأمم الماضية ، من لدن آدم عليه السلام كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم إلى زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بالعذاب في الدنيا ، ثم نتبعهم بأمثالهم وأشباههم ، وهم كفار مكة حين كذبوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أهلكهم اللّه يوم بدر وغيره من المواطن . وفي هذا وعيد شديد لكل من كفر باللّه وتخويف وتحذير من الكفر . ثم أخبر تعالى بأن تلك سنة اللّه لا تبديل فيها ، مع بيان حكمة الإهلاك ، فقال :