وهبة الزحيلي
306
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ ، وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا أي داوم على ذكر اللّه في جميع الأوقات بالقلب واللسان ، وصلّ لربّك أول النهار وآخره ، فأول النهار : صلاة الصبح ، وآخره : صلاة العصر . وكذلك صلّ لربّك في الليل ، وذلك يشمل صلاتي المغرب والعشاء ، وتهجد له طائفة من الليل ، كما قال تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء 17 / 79 ] ، وقال سبحانه : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمل 73 / 1 - 4 ] . وعلى هذا تكون كلمات الآية جامعة الصلوات الخمس ، والتهجد . وبعد بيان حال الطائعين ، أبان اللّه تعالى أحوال الكفار والمتمردين ، وأنكر عليهم وعلى أشباههم حبّ الدنيا والإقبال عليها ، وترك الآخرة وراء ظهورهم ، فقال : إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا أي إن هؤلاء كفار مكة وأمثالهم يحبون الدار العاجلة ، وهي دار الدنيا ، ويقبلون على لذاتها وشهواتها ، ويتركون وراءهم ظهريا يوم القيامة ذا الشدائد والأهوال ، فلا يستعدون له ، ولا يعبؤون به . وسمي يوما ثقيلا : لما فيه من الشدائد والأهوال . والآية تتضمن توبيخ المتمردين واستحقارهم . وهذا هو الخط الفاصل بين المؤمنين والكافرين ، فالمؤمنون يعملون للدنيا والآخرة ، والكفار يعملون للدنيا وحدها ، وهي النظرة المادية والسلوك المادي النفع ، مما يدل على أن الداعي لهم إلى الكفر هو حبّ العاجل . ثم أوضح اللّه تعالى كمال قدرته ، وأقام الدليل بالبداءة في الخلق على الرجعة والبعث ، فقال : نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ، وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا أي كيف يتغافل هؤلاء الكفار عن ربّهم وعن الآخرة ، ونحن الذين