وهبة الزحيلي
276
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ونظير الآية : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون 23 / 115 ] . الثاني - أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ، أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى أي أما كان ذلك الإنسان قطرة أو نطفة ضعيفة من مني يراق في الرحم ، ثم صار بعد ذلك علقة ، أي قطعة دم ، ثم مضغة أي قطعة لحم ، ثم شكّل ونفخ فيه الروح ، فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ، ذكرا أو أنثى بإذن اللّه وتقديره ؟ أليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بقادر على أن يعيد خلق الأجسام من جديد بالبعث ، كما كانت عليه في الدنيا ؟ بلى ، فإن الإعادة أهون من الابتداء . وقوله : فَخَلَقَ أي فقدّر بأن جعلها مضغة مخلّقة ، وقوله فَسَوَّى أي فعدّل أركانه وكمل نشأته ونفخ فيه الروح ، وجعل من المني بعد تخليقه صنفي الإنسان : الرجل والمرأة . وهذا استدلال بالخلق الأول على الإعادة ، فإن الخالق الأول هو الخالق الآخر ، والأمران سواء عليه . روى ابن أبي حاتم وغيره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآية قال : « سبحانك اللهم وبلى » . و أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه ، والحاكم وصححه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ منكم : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [ التين 95 / 1 ] وانتهى إلى آخرها : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ [ التين 95 / 8 ] فليقل : بلى ، وأنا على ذلكم من الشاهدين ، ومن قرأ : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ القيامة 75 / 1 ] فانتهى إلى قوله : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة 75 / 40 ] فليقل : بلى ، ومن قرأ المرسلات ، فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ [ المرسلات 77 / 50 ] فليقل : آمنا باللّه » .