وهبة الزحيلي
260
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
9 - استنبط القاضي ابن العربي من قوله تعالى : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . . ست مسائل وهي بإيجاز « 1 » : الأولى - فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه ؛ لأنها بشهادة منه عليه ، قال اللّه سبحانه : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور 24 / 24 ] . الثانية - لا يصح الإقرار إلا من مكلف ( بالغ عاقل ) لكن بشرط ألا يكون محجورا عليه ؛ لأن الحجر يسقط قوله إذا كان لحق نفسه ، فإن كان لحق غيره كالمريض ، كان منه ساقط ، ومنه جائز ، كما هو مقرر في الفقه . الثالثة - قوله تعالى : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ معناه : ولو اعتذر لم يقبل منه ، وقد اختلف العلماء في جواز الرجوع عن الإقرار في الحدود الخالصة للّه تعالى : فقال أئمة المذاهب الأربعة على المشهور عند المالكية : يقبل رجوعه بعد الإقرار ، ويسقط الحد ، وهو الصحيح عملا بما رواه الأئمة ، منهم البخاري ومسلم : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ردّ المقرّ بالزنى مرارا أربعا ، كل مرة يعرض عنه ، ولما شهد على نفسه أربع مرات ، دعاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أبك جنون ؟ قال : لا ، قال : أحصنت ؟ قال : نعم . وقال لأصحابه - فيما رواه أبو داود وغيره - حينما هرب - أي ماعز - فاتبعوه : « هلا تركتموه ، لعله أن يتوب ، فيتوب اللّه عليه » . وروي عن مالك أنه قال : لا يعذر المقر إلا إذا رجع لشبهة ، عملا بحديث : « لا عذر لمن أقرّ » « 2 » . الرابعة - قال ثعلب : معنى قوله تعالى : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ أنه إذا اعتذر يوم القيامة وأنكر الشرك ، لا ينفع الظالمين معذرتهم ، ويختم على فمه ،
--> ( 1 ) أحكام القرآن : 4 / 1878 - 1882 ( 2 ) بداية المجتهد : 2 / 430 ، الدردير والدسوقي : 4 / 318