وهبة الزحيلي
227
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهذا دليل على أنه كان كافرا كفر عناد ، فهو في أعماق نفسه يقرّ بكون آي القرآن من عند اللّه ، ولكنه ينكر ذلك بلسانه إرضاء لقومه ، لذا استحق العقاب الآتي : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً أي سأكلفه وأحمّله مشقة من العذاب ، لا راحة فيه ، كمن يتكلف صعود أعالي الجبال الشاهقة الوعرة . والإرهاق : أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل الذي لا يطيقه . وقيل : الصعود : جبل في النار ، روى ابن أبي حاتم والبزار وابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً قال : « هو جبل في النار ، من نار ، يكلف أن يصعده ، فإذا وضع يده ذابت ، وإذا رفعها عادت ، فإذا وضع رجله ذابت ، وإذا رفعها عادت » . و رواه الترمذي بلفظ : « الصعود : جبل من نار يتصعّد فيه سبعين خريفا ، ثم يهوي كذلك فيه أبدا » . وقال فيه : حديث غريب . ثم حكى تعالى أحواله وكيفية اتخاذ قراره وكيفية عناده ، فقال : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ أي إنه فكر في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفي القرآن العظيم ، وهيّأ الكلام في نفسه ما يقول ، وتروى ماذا يصف به القرآن حين سئل عنه ، ففكر ماذا يختلق من المقال ، فلعن وعذّب على أيّ حال قدّر ما قدر من الكلام ، وأكد ذلك قائلا : ثم لعن وعذب ، وأتى ب ثُمَّ للدلالة على أن الدعاء عليه في المرة الثانية أبلغ وآكد من الأولى . وهذا كله تعجب واستعظام من موقفه ، واستحقاقه مضاعفة العذاب . ثم وصفه بأحوال ظاهرة للناس فقال : ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أي ثم أعاد النظر والتروي والتأمل في الطعن