وهبة الزحيلي

220

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

تغطي بها رعبا من رؤية الملك عند نزول الوحي أول مرة ، انهض ، فخوّف أهل مكة ، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي عظم اللّه وصفه بالكبرياء ، في عبادتك وكلامك وجميع أحوالك ، فإنه أكبر من أن يكون له شريك ، وطهّر ثيابك واحفظها عن النجاسات . وقال قتادة : أي طهرها من المعاصي والذنوب ، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد اللّه : إنه لدنس الثياب ، وإذا وفّى وأصلح : إنه لمطهر الثياب . وكلا المعنيين صحيح ، فإن الطهارة الحسية أو النظافة تلازم عادة الطهارة المعنوية ، أي التجرد والتباعد من المعاصي ، والعكس صحيح ، فإن وجود الأوساخ ملازم لكثرة الذنوب . والآية دليل على تعظيم اللّه مما يقول عبدة الأوثان ، وعلى النظافة وتحسين الأخلاق واجتناب المعاصي . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ أي اترك الأصنام والأوثان ، فلا تعبدها ، فإنها سبب العذاب ، واهجر جميع الأسباب والمعاصي المؤدية إلى العذاب في الدنيا والآخرة ، فالآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي . والنهي عن جميع ذلك لا يعني تلبسه بشيء منها وإنما يبدأ به لكونه قدوة ، وللمداومة على الهجران ، فهو كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ، وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [ الأحزاب 33 / 1 ] وقوله سبحانه : وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف 7 / 142 ] فمثل هذا الخطاب للنبي يراد به الأمر بالدوام والمتابعة ، واستمرار تجنب الفساد . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي لا تمنن على أصحابك وغيرهم بتبليغ الوحي ، مستكثرا ذلك عليهم ، أو إذا أعطيت أحدا عطية ، فأعطها لوجه اللّه ، ولا تمنّ