وهبة الزحيلي

21

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إلا ظله . . منهم : ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف اللّه ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » . ثم نبّه اللّه تعالى على أنه مطّلع على الضمائر والسرائر ، فقال : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي سواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به ، فاللّه عليم به ، يعلم بما يخطر في القلوب وما تكنّه الضمائر ، لا يخفى عليه منه خافية ، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد ، فاللّه عليم به ، فاحذروا من المعاصي سرا كما تحترزون عنها جهرا ، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم اللّه تعالى . وقدّم السر على الجهر ؛ لأنه مقدم عليه عادة ، فما من أمر إلا وهو يبدأ أولا في النفس ثم يجهر به ، وللتحذير من التكتم والسر الذي قد يظن عدم العلم به . وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ كالعلّة لما قبله . والآية خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال ، وتشمل ما كانوا يسرون به من الكلام في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال ابن عباس : كانوا ينالون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيخبره جبريل ، فقال بعضهم لبعض : أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ لئلا يسمع إله محمد ، فأنزل اللّه هذه الآية . ثم أقام اللّه تعالى الأدلة على سعة علمه ، فقال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أي ألا يعلم الخالق الذي خلق الإنسان وأوجده السرّ ومضمرات القلوب ؟ فهو تعالى الذي خلق الإنسان بيده ، وأعلم شيء بالمصنوع صانعه ، وهو العليم بدقائق الأمور ، وما في القلوب ، والخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور ، لا تخفى عليه من ذلك خافية . والمراد : ألا يعلم السّر من خلق السّر . وقيل : معناه : ألا يعلم اللّه مخلوقه ؟ قال ابن كثير : والأول ( أي ألا يعلم الخالق ) أولى لقوله : وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . والواقع أن كلا المعنيين محتمل ،