وهبة الزحيلي
209
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ، وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ، وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أي إن اللّه يعلم أنك أيها الرسول تقوم ممتثلا أمر ربك أقلّ من ثلثي الليل أحيانا ، أو تقوم نصفه أو ثلثه ، وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك ، واللّه سيجازيكم على ذلك أحسن الجزاء . وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ أي يعلم اللّه مقادير الليل والنهار حقيقة ، ويعلم القدر الذي تقومونه من الليل ، ولكن اللّه علم أنكم لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به ، ولن تتمكنوا ضبط مقادير الليل والنهار ولا إحصاء الساعات ، أو علم اللّه أنكم لن تطيقوا قيام الليل أو الفرض الذي أوجبه عليكم ، فعاد عليكم بالعفو والترخيص في ترك القيام إذ عجزتم ، ورجع بكم من العسر إلى اليسر . وأصل التوبة : الرجوع . قال مقاتل : لما نزلت قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا شقّ ذلك عليهم ، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه ، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ ، فانتفخت أقدامهم ، وامتقعت ألوانهم ، فرحمهم اللّه وخفف عنهم ، فقال تعالى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ « 1 » . والمراد بقوله : لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تطيقوه : لصعوبة الأمر ، لا أنهم لا يقدرون عليه . فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ، فالمراد بالقراءة الصلاة ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما تقدم بيانه . وهذه الآية نسخت قيام الليل ، ويؤكده الحديث الصحيح عند مسلم والنسائي والترمذي واللفظ له عن أنس بن مالك الذي فيه قال السائل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل عليّ غيرها ؟ يعني الصلوات الخمس ، فقال : « لا ، إلا أن تطوّع » فهو يدل على عدم وجوب غير تلك الصلوات المفروضة ، فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 19 / 53