وهبة الزحيلي
205
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي كيف تقون أنفسكم وتنعمون بالأمان والاطمئنان إن بقيتم على الكفر ، من عذاب يوم يجعل الأطفال شيبا بيض الشعور ، لشدة هوله ، وهذا كناية عن شدة الخوف ، وتصير السماء متشققة به متصدعة ؛ لشدته وعظيم هوله ، وكان وعد اللّه بمجيء ذلك اليوم كائنا واقعا لا محالة ولا محيد عنه . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات إلى ما يأتي : 1 - هدد اللّه صناديد قريش وأمثالهم من المستهزئين والمترفين الطغاة والمكذبين بآيات اللّه والكفر برسالة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتوعدهم بأشد العذاب في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فعوقب رؤساء مكة في موقعة بدر ، وأما في الآخرة فنار جهنم تنتظرهم . 2 - إن أنواع العذاب الشديد في الآخرة هي الأنكال أي القيود ، والنار المؤججة ، والطعام الذي لا يستساغ ، فلا هو نازل ولا هو خارج ، وهو الغسلين والزّقوم والضريع وهو شوك كالعوسج . 3 - زمان هذا العذاب هو يوم القيامة ، الذي تضطرب وتحرك فيه الأرض والجبال بمن عليها ، وتصبح الجبال فيه رملا مجتمعا سائلا متناثرا غير متماسك . 4 - التشابه في الجريمة والعقاب : اشترك أهل مكة في تكذيب النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والاستخفاف به ، مع فرعون وقومه الذين كذبوا موسى عليه السلام ، قال مقاتل : ذكر - أي اللّه - موسى وفرعون ؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم واستخفوا به ؛ لأنه ولد فيهم ، كما أن فرعون ازدرى موسى ؛ لأنه ربّاه ونشأ فيما بينهم ، كما قال تعالى : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء 26 / 18 ] فكان التشابه في الأحوال سببا لذكر قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر الرسل والأمم .