وهبة الزحيلي

194

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أبان اللّه تعالى علة الأمر بقيام الليل ( التهجد ) فقال : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا أي إن قيام الليل ، وهو الذي يقال له : ناشئة إذا كان بعد نوم ، أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص وتوافق القلب واللسان ، فذلك يتجلى في هدوء الليل أكثر من أي وقت آخر ، وهو أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها ، وأسدّ مقالا وأثبت قراءة ، لحضور القلب فيها وأكثر اعتدالا واستقامة على نهج الحق والصواب ؛ لأن الأصوات فيها هادئة ، والدنيا ساكنة ، أما النهار فهو وقت الانشغال بالأعمال ، كما قال تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا أي إن لك في وقت النهار تقلبا وتصرفا في حوائجك ومصالح الحياة ، فلا تتفرغ فيه للعبادة ، فصل بالليل . ولكن لا ينبغي الانشغال عن ذكر اللّه بأي حال نهارا أو ليلا ، فقال تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي أكثر من ذكر اللّه ، وداوم عليه إن استطعت ليلا ونهارا ، وأخلص العبادة لربك ، وانقطع إلى اللّه انقطاعا بالاشتغال بعبادته ، والتماس ما عنده إذا فرغت من أشغالك وحوائجك الدنيوية ، كما قال تعالى : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ [ الانشراح 94 / 7 - 8 ] أي إذا فرغت من أشغالك فأتعب نفسك في طاعة ربك وعبادته ، لتكون فارغ البال ، واجعل رغبتك إلى اللّه وحده . ثم أبان اللّه تعالى سبب الأمر بالعبادة ، والباعث على التبتل ، فقال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا أي إن ربك الذي تذكره ، وتتفرغ لعبادته هو الجدير بالعبادة ، فهو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو ، وكما أفردته بالعبادة ، فأفرده بالتوكل ، واجعله وكيلا لك في جميع الأمور ، كما قال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ