وهبة الزحيلي

181

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إلا هو ، والأمد : الزمن البعيد . عالِمُ الْغَيْبِ ما غاب عن العباد . فَلا يُظْهِرُ لا يطلع . عَلى غَيْبِهِ أَحَداً على الغيب المخصوص به علمه . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ أي إن الرسول يطلعه اللّه على بعض الغيب معجزة له . يَسْلُكُ يجعل ويقيم . مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ من بين يدي المرتضى الرسول . رَصَداً حراسا وحفظة من الملائكة يحفظونه حتى يبلغه مع بقية الوحي . وأما كرامات الأولياء في المغيبات فتكون تلقيا من الملائكة . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا أي ليظهر معلوم اللّه كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص ، أو ليعلم محمد النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبريل والملائكة معه الوحي بلا تحريف وتغيير ، و أَبْلَغُوا على المعنى الأول : هم الرسول ، وعلى الثاني هم الملائكة وروعي بجمع الضمير معنى من « 1 » . رِسالاتِ رَبِّهِمْ أبلغوا رسالات اللّه كما هي من غير تغيير . وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ أحاط علما بما عند الرسل ، وهو عطف على مقدر ، أي فعلم ذلك . وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً أي أحصى عدد كل شيء . سبب النزول : قال مقاتل : إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى : حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قال النضر بن الحارث : متى يكون هذا اليوم الذي توعدنا به ؟ فأنزل اللّه تعالى : قُلْ : إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ إلى آخر الآيات . التفسير والبيان : قُلْ : إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً أي قل أيها الرسول : لست أعلم قرب العذاب الذي يعدكم اللّه به ، فما أدري أقريب وقت الساعة أم بعيد ، وهل جعل اللّه له غاية ومدة ؟ فلا يعرف متى يوم القيامة إلا اللّه وحده . ومضمون الآية أمر من اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول للناس : إنه لا علم له بوقت الساعة ، أي تفويض علم تعيين الساعة إلى اللّه ؛ لأنه عالم الغيب .

--> ( 1 ) أي إن قوله تعالى : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مع قوله : أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا كقوله : فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ من الحمل على اللفظ تارة ، وعلى المعنى أخرى .