وهبة الزحيلي

169

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائما يصلي بين جبلين بمكة ، فأتوه فأخبروه ، فقال : هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض . والخلاصة : أن الشياطين منعت بعد بعثة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم من استراق السمع لئلا يسترقوا شيئا من القرآن ، فيلقوه على ألسنة الكهنة ، فيلتبس الأمر ويختلط ، ولا يدرى من الصادق . 8 - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً أي أننا كنا نقعد في السماء مقاعد لاستراق السمع ، وسماع أخبار السماء من الملائكة لإلقائها إلى الكهنة ، فحرسها اللّه سبحانه عند بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشهب المحرقة ، فمن يروم أن يسترق السمع اليوم ، يجد له شهابا مرصدا له ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يمحقه ويهلكه . 9 - وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً أي وأننا لا نعلم بسبب هذه الحراسة للسماء ، أشرّ أو عذاب أراده اللّه أن ينزله على أهل الأرض ، أم أراد بهم ربهم خيرا وصلاحا ، بإرسال نبي مصلح . وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى اللّه عزّ وجلّ . وقد ورد في الصحيح : « والشر ليس إليك » . 10 - وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً أي أخبر تعالى عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم ، لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : كنا قبل استماع القرآن : منّا المؤمنون الأبرار الموصوفون بالصلاح ، ومنّا قوم دون ذلك ، أي غير صالحين أو كافرين ، كنا جماعات متفرقة ، وأصنافا مختلفة ، وأهواء متباينة . والمراد أنهم كانوا أقساما ، فمنهم المؤمن ومنهم الفاسق ومنهم الكافر ، كما هي حال الإنس . قال سعيد بن المسيب : كانوا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا .