وهبة الزحيلي
165
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
رابعا - حسبوا أن لن يكذب الإنس والجن على اللّه ، فلذلك صدقناهم فيما سلف في أن للّه صاحبة وولدا ، فلما سمعنا القرآن تبيّنا به الحقّ . خامسا - كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال : أعوذ بسيد هذا الوادي ، أو بعزيز هذا المكان من شرّ سفهاء قومه ، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ، فزاد الإنس الجنّ طغيانا وعتوا بهذا التعوذ ، حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن . وقيل : ازداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن ، وقيل : زاد الجنّ الإنس رهقا أي خطيئة وإثما . ويقال بدلا من هذه الاستعاذة : ما جاء في حديث أخرجه أبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن عباس ، وقال : غريب جدا : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إذا أصاب أحد منكم وحشة أو نزل بأرض مجنّة « 1 » ، فليقل : أعوذ بكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزها برّ ولا فاجر من شرّ ما يلج في الأرض ، وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، ومن فتن النهار ، ومن طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير . سادسا - ظن الإنس كما ظن الجن أن لن يبعث اللّه الخلق ، أو ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث اللّه رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة ، وكل هذا توكيد للحجة على قريش ، فإذا آمن هؤلاء الجن بمحمد ، فأنتم أحق بذلك . وعلى هذا يكون الكلام كلام الجن ، وهو الظاهر . ويحتمل أن يكون الكلام من قول اللّه تعالى للإنس ، والمعنى : وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش . وعلى كلا التقديرين : دلت الآية على أن الجن كما كان فيهم مشرك ويهودي ونصراني ، فيهم من ينكر البعث .
--> ( 1 ) أرض مجنة : أي ذات مجنة .