وهبة الزحيلي

163

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي : 1 - الإخبار عن قصص الجن له فوائد كثيرة أهمها بيان أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية كالإنس ، وأن المؤمن منهم يدعو الكافر إلى الإيمان ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوث إلى العالمين : الإنس والجن وإلى الملائكة تشريفا ، وأن يكون إيمانهم بالقرآن باعثا كفار قريش وغيرهم إلى الإيمان به ، وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا . لكن ظاهر القرآن يدل على أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما رآهم ؛ لقوله تعالى : اسْتَمَعَ . وفي صحيح البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الجنّ وما رآهم ، انطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ . . إلخ ما ذكر في سبب النزول المتقدم . ففي هذا الحديث دليل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم ير الجن ، ولكنهم حضروه ، وسمعوا قراءته . وفيه دليل على أن الجنّ كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر ، بسبب الشياطين لما رموا بالشهب ، وكان المرميون بالشهب من الجنّ أيضا ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث : « وأرسلت عليهم الشّهب » . ومذهب ابن مسعود أنه أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ، ويدعوهم إلى الإسلام ، وأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى الجن قال القرطبي : وهو أثبت ؛ روى عامر الشعبي قال : سألت علقمة : هل كان ابن مسعود شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجنّ ؟ فقال علقمة : أنا سألت ابن مسعود ، فقلت : هل شهد أحد منكم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجنّ ؟ قال : لا ، ولكنا كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة ففقدناه ، فالتمسناه في الأودية والشّعاب ، فقلت استطير « 1 » أو اغتيل ، قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم ، فلما أصبح إذا هو يجيء

--> ( 1 ) استطير فلان : ذعر .