وهبة الزحيلي

151

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أبان اللّه تعالى جزاءهم وسبب الجزاء وهو إضلال الناس فقال : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً أي من أجل كثرة سيئاتهم وآثامهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ، أغرقوا بالطوفان ، ثم أدخلوا نار الآخرة ، فلم يكن أحد يمنعهم من عذاب اللّه ويدفعه عنهم . وَقالَ نُوحٌ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أي لما أيس نوح من إيمانهم ، دعا عليهم بعد أن أوحي إليه ذلك ، فقال : رب لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا يسكن الديار . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً أي إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك الذين تخلقهم بعدهم عن طريق الحق ، ولا يلدوا إلا كل فاجر في الأعمال بترك طاعتك ، كثير الكفران في القلب لنعمتك ، لخبرته بهم ، ومكثه معهم ألف سنة إلا خمسين عاما . ثم دعا نوح عليه السلام لأهل الإيمان ، وأعاد الدعاء مرة أخرى على الكفار ، قائلا : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ ، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً أي رب استر علي ذنوبي واستر على والدي المؤمنين برسالتي ، واغفر لكل من دخل منزلي وهو مؤمن ، ولكل المصدقين بوجودك ووحدانيتك ولكل المصدقات بذلك من الأمم والأجيال القادمة ، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بالكفر إلا هلاكا وخسرانا ودمارا . وقد شمل دعاؤه هذا كل مؤمن وكل ظالم إلى يوم القيامة . روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تصحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقى » .