وهبة الزحيلي

129

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ؟ أي أيطمع هؤلاء المشركون ، وحالتهم هذه من الكفر والتكذيب والفرار من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونفرتهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم ؟ ! كلا ، بل مأواهم جهنم ، كما قال تعالى : كَلَّا ، إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي كلا ، لا أمل في دخولهم الجنة ، فإنا خلقناهم من المني الضعيف ، كما قال تعالى : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ المرسلات 77 / 20 ] . وهذا تقرير لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا حدوثه واستبعدوا وجوده ، بدليل الخلق الأول أو البداءة التي يعترفون بها ، فتكون الإعادة في تقدير البشر أهون منها ، أما بالنسبة للّه عز وجل فالبدء والإعادة سواء . وبما أنهم خلقوا من الشيء الضعيف ، فهم ضعاف لا ينبغي منهم هذا التكبر . أخرج أحمد وابن ماجة وابن سعد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . . إلى قوله : كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ثم بزق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على كفّه ، ووضع عليها أصبعه ، وقال : « يقول اللّه : ابن آدم ، أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ؟ حتى إذا سوّيتك وعدّلتك ، مشيت بين بردين ، وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت ، حتى إذا بلغت التراقي أتى أوان الصدقة » . ثم أنذرهم اللّه تعالى بالهلاك إن داموا على الكفر ، وهددهم بإيجاد آخرين مكانهم لكي يؤمنوا ، فقال : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ، عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي فأقسم بمشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها كل يوم من أيام السنة ، على أن نخلق أمثل منهم ، وأطوع للّه ممن عصره ، ونهلك