وهبة الزحيلي

115

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

في نظرهم وبين اليوم عند اللّه فهم يرون الدنيا طويلة الأمد وأما عند اللّه فالدنيا قصيرة إذا قيست باليوم عند اللّه . والجمع بين هذه الآية وبين آية السجدة : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [ 5 ] أن القيامة مواقف ومواطن فيها خمسون موطنا كل موطن ألف سنة . وهذا إنما يكون في حق الكافر أما في حق المؤمن فلا ؛ لقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الفرقان 25 / 24 ] واتفقوا على أن ذلك المقيل والمستقر هو الجنة ولما أخرجه الإمام أحمد وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال : قيل : يا رسول اللّه ما أطول هذا اليوم ؟ ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده إنه ليخفّف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » . فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أي لا تأبه يا محمد بسؤالهم العذاب استهزاء وتعنّتا وتكذيبا بالوحي ولا تضجر واحلم على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به واستعجالهم العذاب استبعادا لوقوعه واصبر صبرا جميلا : لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير اللّه وهذا معنى الصبر الجميل . إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً أي إنهم يرون وقوع العذاب بعيدا وقيام الساعة في اعتقاد الكفرة مستحيل الوقوع ويرون أيضا يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة مستبعدا محالا ونحن نعلمه كائنا قريبا ممكنا غير متعذر ؛ لأن كل ما هو آت قريب . ثم ذكر اللّه تعالى بعض أوصاف ومظاهر ذلك اليوم فقال : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أي إن يوم القيامة ذلك اليوم الذي تصير السماء فيه كعكر ( درديّ )