وهبة الزحيلي
12
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وروى البخاري في تاريخه أنها - أي المجادلة - استوقفت عمر يوما فوقف ، فأغلظت له القول ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم ، فقال رضي اللّه عنه : وما يمنعني أن أستمع إليها ، وهي التي استمع اللّه لها ، فأنزل فيها ما أنزل : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ . . الآيات . التفسير والبيان : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي قد قبل اللّه شكوى المرأة التي تراجعك الكلام أيها النبي في شأن زوجها الذي ظاهر منها ، قائلا لها : « أنت علي كظهر أمي » أي في الحرمة ، وتشتكي إلى اللّه ما أغمها وأحزنها ، واللّه يسمع ما تتراجعان به من الكلام ، إن اللّه يسمع كل مسموع ، ويبصر كل مبصر على أتم وجه وأكمله ، ومن ذلك : محاورة هذه المرأة معك . والمجادلة هنا : بمعنى التحاور ، وهي المراجعة في الكلام لتبين المخرج من الأزمة . والشكوى : أن تخبر عن مكروه أصابك . والسمع : صفة يدرك بها الأصوات ، غير صفة العلم . والمرأة : خولة بنت ثعلبة ، والزوج : أوس بن الصامت أحد الأنصار . أخرج البخاري والنسائي وغيرهما كما تقدم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة ، تشكو إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنا في كسر البيت ، يخفى علي بعض كلامها ، فأنزل اللّه تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي . . الآيات . وقوله : قَدْ معناه التوقع ، كما تقدم ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللّه مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج عنها . وقوله : سَمِعَ اللَّهُ مجاز عن القبول والإجابة ، لعلاقة السببية .