وهبة الزحيلي
97
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهو الجدال بالباطل . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى رأى محمد جبريل على صورته الحقيقية مرة أخرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى أعلى مكان في السماء ، ينتهي إليها علم الخلائق وأعمالهم ، شبّهت بالسدرة : وهي شجرة النبق ، لأنهم يجتمعون في ظلها . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين المتقين . إِذْ حين . يَغْشَى يغطي ويستر . ما يَغْشى تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يحيط بها وصف ولا عدد . ما زاغَ الْبَصَرُ ما مال بصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما رآه . وَما طَغى وما تجاوز ما أمر به تلك الليلة . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أي رأى في تلك الليلة - ليلة المعراج - بعض آيات ربه العظمى ، وعجائب الملكوت ، كرؤية جبريل حينما سدّ أفق السماء بما له من ست مائة جناح . التفسير والبيان : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى أي أقسم بالنجم أي بالنجوم عندما تميل للغروب ، إذ بالميل إلى الأفق تعرف الجهات ، ما عدل محمد صلى اللّه عليه وسلم عن طريق الهداية والحق ، وما صار غاويا متكلما بالباطل ، وقيل : النجم : الثريا إذا سقطت مع الفجر . روى ابن أبي حاتم عن الشعبي وغيره قال : الخالق يقسم بما شاء من خلقه ، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق . وقد عرض الرازي مقارنة في المقسم به والمقسم عليه بين هذه السورة والسور المتقدمة ، فذكر أن السور التي تقدمت وهي والصافات والذاريات والطور وهذه السورة كان القسم فيها بالأسماء دون الحروف ، أقسم اللّه في الأولى لإثبات الوحدانية : إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ . وفي الثانية لإثبات الحشر والجزاء : إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ . وفي الثالثة لإثبات دوام العذاب بعد وقوعه يوم القيامة : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ . وفي هذه السورة لإثبات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فاكتملت الأصول الثلاثة : الوحدانية ، والحشر ، والنبوة « 1 » . ويلاحظ أن القسم على الوحدانية والنبوة قليل في القرآن ، والقسم على إثبات البعث كثير ، كما في سورة الذاريات ، والطور ، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ،
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 28 / 277