وهبة الزحيلي
86
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى عن عناد المشركين ومكابرتهم للمحسوس ، فيقول : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا : سَحابٌ مَرْكُومٌ أي إن ير هؤلاء المشركون قطعة من نار السماء ساقطة عليهم لتعذيبهم ، لما صدقوا ولما أيقنوا ، ولما انتهوا عن كفرهم ، بل يقولون : هذا سحاب متراكم ملقى بعضه على بعض ، نرتوي به . وهذه غاية المكابرة ، لأنهم ينكرون ما تبصره الأعين وتشاهده النفوس . ونظير الآية قوله تعالى : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ، لَقالُوا : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [ الحجر 15 / 14 - 15 ] . فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ أي إذا كان هذا شأنهم وتبين أنهم لا يرجعون عن كفرهم ، فدعهم يا محمد ولا تأبه بهم حتى يلقوا أو يأتي يوم مجازاتهم بأعمالهم السيئة الذي يحدث فيهم هلاكهم السريع ، وهو يوم موتهم أو قتلهم وهو يوم بدر ، وهو الظاهر في الآية كما قال البقاعي ، لأنهم عذبوا فيه ، أو يوم النفخة الأولى يوم القيامة ، لأن صعقته تعم جميع الخلائق ، وهو قول الجمهور ، كما ذكر أبو حيان . وإسقاط كلمة الإشارة قبل كلمة سَحابٌ أي هذا سحاب لوضوح الأمر وظهور العناد ، كما أن كلمة يَقُولُوا تدل على العناد . يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي ذلك اليوم يوم لا ينفعهم فيه مكرهم ولا كيدهم الذي كادوا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا ، ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع ولا ينصرهم ناصر ، بل هو واقع بهم لا محالة .