وهبة الزحيلي

67

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ويلاحظ أيضا الفرق بين جزاء الكفار حيث قال تعالى في حقهم : إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وبين جزاء المتقين حيث قال في حقهم : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فجزاء الكفار منحصر بكلمة إِنَّما للحصر ، أي لا تجزون إلا ذلك ، وأما المؤمنون فيضاعف ما عملوا ويزيدهم من فضله ، ويجازى الكفار عين أعمالهم بقوله : بِما كُنْتُمْ إشارة إلى المبالغة في المماثلة ، وقال في حق المؤمنين : بِما كُنْتُمْ كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملهم الصالح ، وذكر اللّه تعالى الجزاء في حق الكفار ، وهو ينبئ عن الانقطاع ، ولم يذكره في حق المؤمنين مما يدل على الدوام وعدم الانقطاع « 1 » . ثم أخبر اللّه تعالى عن مزيد فضله وكرمه ولطفه بخلقه وإحسانه بإلحاق الذرية بالآباء في المنزلة ، وإن لم يبلغوا عملهم ، لتقرّ عين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم ، فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي إن المؤمنين الذين تتبعهم ذريتهم في الإيمان أو بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ، يلحقهم اللّه بآبائهم في المنزلة فضلا منه وكرما ، والمعنى : أن اللّه سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه ، وإن كانوا دونه في العمل ، لتقر عينه ، وتطيب نفسه ، بشرط كونهم مؤمنين . ومن باب أولى يلحق الآباء بالأبناء إن كان هؤلاء أحسن حالا من آبائهم ، فيرفع ناقص العمل إلى منزلة كامل العمل ، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته ، للتساوي بينه وبين ذاك . قال ابن عباس : إن اللّه ليرفع ذرية المؤمن في درجته ، وإن كانوا دونه في العمل ، لتقرّ بهم عينه ، ثم قرأ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ « 2 » وتنكير لفظة بِإِيمانٍ للدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة ،

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 28 / 249 ( 2 ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، ورواه البزار عن ابن عباس مرفوعا ، ورواه الثوري عن ابن عباس موقوفا .