وهبة الزحيلي

60

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المعمور ، والسقف المرفوع والبحر المسجور ، تشريفا لها وتكريما . والحكمة في اختيار الأماكن الثلاثة : وهي الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور هي كونها أماكن ثلاثة أنبياء ، انفردوا فيها للخلوة بربهم ، والخلاص من الخلق ، ومناجاة اللّه وخطابه . أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام ، وخاطب ربه ، فقال : أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ، وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف 7 / 155 ] وقال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف 7 / 143 ] . و ناجى محمد صلى اللّه عليه وسلم ربه في البيت المعمور ( الكعبة ) فقال - كما تقدم - : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » . ودعا يونس عليه السلام ربه في أعماق البحر ، فقال : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء 21 / 87 ] . فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف اللّه تعالى بها ، ثم قرن بها الكتاب ، لأن اللّه تعالى كلّم موسى عليه السلام في الطور ، وأنزل عليه التوراة « 1 » ، وبقية الكتب مثل التوراة للهداية والنور . 2 - كان المقسم عليه هو وقوع عذاب اليوم الموعود لا محالة ، بلا أدنى شك ، واستحالة قدرة أحد أن يدفعه عن المعذّبين المكذبين بالرسل . 3 - يقع العذاب بالمكذبين يوم القيامة ، وهو اليوم الذي تمور فيه السماء ، أي ترتج بما فيها وتضطرب في مكانها ، وتسير الجبال عن أماكنها حتى تستوي بالأرض ، إعلاما بألا عودة إلى الدنيا .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 28 / 239 - 240