وهبة الزحيلي

57

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقوله : وَكِتابٍ مَسْطُورٍ يشمل الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا ، كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن . وقيل : هو اللوح المحفوظ . وقرن الكتاب بالطور ، لإنزاله على موسى وهو فيه ، وقوله : مَنْشُورٍ إشارة إلى الوضوح . وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي والكعبة المشرفة التي تعمر بالحجاج والزوار والمجاورين الذين يقصدونها للعبادة والدعاء والتبرك بها . والسماء العالية التي هي كالسقف للأرض وما حوتها من شموس وأقمار وكواكب ثابتة وسيّارة وعوالم لا يحصيها إلا اللّه تعالى . والبحر المملوء ماء ، المحبوس عن الأرض اليابسة ، والموقد نارا كالتنّور المحمى الذي يتفجر بالنار الملتهبة يوم القيامة ، كما قال تعالى : وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [ التكوير 81 / 6 ] روي : أن البحار تسجر يوم القيامة ، فتكون نارا . ومن المعروف أن النفط يستخرج من قاع البحار كالأرض اليابسة ، وتتصاعد منه بين الحين والآخر الزلازل والبراكين . وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم شأن الكعبة ، وأماكن شعائر الإسلام ، وعظمة قدر النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي ناجى ربه فيه قائلا : « سلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك » . كما أن يونس عليه السلام كلّم ربه في البحر قائلا : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء 21 / 87 ] . وتنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء لتعظيمه وشهرة معرفته ، حتى إنه ما احتاج إلى تعريف ، أما بقية الأشياء فاحتاجت إلى التعريف . ثم ذكر اللّه تعالى جواب القسم قائلا : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ هذا هو المقسم عليه أو جواب القسم ، أي أقسم بتلك المخلوقات العظيمة على أن عذاب الآخرة لواقع كائن لا محالة