وهبة الزحيلي
53
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
النافعة في المعاش ، وفي الطور أقسم اللّه بالجبل الذي حظي بالنور الإلهي بتكليم موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه لنفع الناس في المعاش والمعاد . 4 - تطابق الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين ومتابعة تذكير المؤمنين : ففي الذاريات : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [ 54 ] وَذَكِّرْ . . [ 55 ] وفي الطور : فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ . . [ 29 ] : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ . . [ 45 ] . ما اشتملت عليه السورة : لما ختم اللّه تعالى السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود ، أقسم على ذلك بالطور ، وهو الجبل الذي ذكر مرارا في قصة موسى عليه السلام ، والكتاب المسطور : التوراة ونحوها أو اللوح المحفوظ ، والبيت المعمور : الكعبة المشرفة ، والسقف المرفوع : السماء ، والبحر المسجور : المملوء أو الموقد . فهو قسم بآيات كونية علوية وسفلية على أن العذاب آت لا ريب فيه . ثم وصف اللّه تعالى عذاب النار الذي يزجّ به المكذبون ، وما يلقونه من الذل والإهانة ، وأردفه بوصف نعيم المتقين أهل الجنة ، وما يتمتعون به من أنواع الملذات في الملبس والمسكن والمطعم والمشرب والزواج بالحور العين . وأعقب هذا الوصف أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بمتابعة التذكير ، وتبليغ الرسالة ، وإنذار الكفرة ، والإعراض عن سفاهة المشركين وافترائهم حين يقولون عنه : إنه شاعر ، أو كاهن ، أو مجنون ، أو مفتر على اللّه ، ثم أنكر تعالى عليهم مزاعمهم الباطلة هذه ، وأثبت بالأدلة الدامغة صدق رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأقام البراهين والحجج القاطعة على الألوهية الحقة والوحدانية ، ونعى على المشركين قولهم : الملائكة بنات اللّه ، ووبخهم وتهكم بهم في عنادهم ومكابرتهم وبلوغهم حد إنكار المحسوسات المشاهدة لهم . وختمت السورة بأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بترك الكفار في ضلالهم حتى