وهبة الزحيلي

344

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

9 - رد اللّه تعالى بقوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ . . بما يأتي على بني إسرائيل الذين كانوا يقولون : الوحي والرسالة فينا ، والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، واللّه تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جمع العالمين . إن النبوة ليست مختصة بهم ، وغير حاصلة إلا في قومهم ، فهم لا يقدرون على تخصيص فضل اللّه بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر النبوة والرسالة في قوم مخصوصين ، وأن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده ، ولا اعتراض عليه في ذلك . وهذا المفهوم على القول المشهور عند أكثر المفسرين بأن ( لا ) في قوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ صلة زائدة مؤكدة ، أي ليعلم أهل الكتاب أنهم عاجزون عن منح أحد شيئا من فضل اللّه تعالى . وعلى قول أبي مسلم الأصفهاني وجمع آخرين : أن هذه الكلمة ليست بزائدة ، يكون المفهوم والمستفاد من الآية : لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل اللّه ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه « 1 » ، وليعلموا أن الفضل بيد اللّه ، ويكون تقدير الآية : إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل اللّه وإحسانه في أقوام معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد اللّه ، فيكون في هذا القول تقدير محذوف وهو : وليعتقدوا أن الفضل بيد اللّه . وأما القول الأول فاحتاج إلى حذف شيء موجود ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف « 2 » .

--> ( 1 ) لأن نفي النفي إثبات ، كما تقول : لا تصدّق فلانا أنه ما قال كذا ، أي قال . ( 2 ) تفسير الرازي ، 29 / 247 - 248