وهبة الزحيلي
337
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : بعد بيان أن اللّه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات ، وأمر الخلق بنصرتهم ، أبان تعالى وحدة النبوة سلالة ومعنى في ذرية نوح وإبراهيم ، ووحدة النبوة تقتضي وحدة التشريع ، ووحدة الكتاب ، أي الكتب السماوية الأربعة ، فما جاء أحد بعد نوح وإبراهيم بالنبوة إلا من سلالتهما وعلى منهجهما ، وتلك نعمة شرف اللّه بها نوحا وإبراهيم عليهما السلام . ثم أوضح اللّه تعالى أن الأجر والثواب واحد لكل من آمن بالرسل المتقدمة ، وأكمل إيمانه بخاتم الرسل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأن النبوة فضل من اللّه ورحمة ، لا تختص بقوم دون قوم ، فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، ولا يصح قول اليهود : إن الرسالة فينا دون غيرنا ، ونحن أبناء اللّه وأحباؤه ، ونحن شعب اللّه المختار . التفسير والبيان : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أي تاللّه لقد بعثنا نوحا أب البشر الثاني إلى قومه وإبراهيم خليل الرحمن أبا الأنبياء وأبا العرب إلى قوم آخرين ، وجعلنا الرسالة والنبوة في ذريتهما ، فكل الأنبياء من سلالتهما ، فلم يرسل اللّه بعدهما رسولا ولا نبيا إلا من ذريتهما ، وكذلك جعلنا الكتب المنزلة فيهما ، فلم ينزل اللّه كتابا ولا أوحى إلى بشر وحيا إلا من سلالتهما . فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي كان مصير الذرية الانقسام إلى فريقين ، فمنهم جماعة مهتدون إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، وكثير منهم خارجون عن حدود اللّه وطاعته ، وتلك سنة اللّه مع الأنبياء جميعا . وهذا دليل على أن الانحراف والخروج عن جادة الحق كان بعد التمكن من معرفته والوصول إليه وقيام الحجة عليهم .