وهبة الزحيلي
333
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي إنما فعل اللّه ذلك ليعلم علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه وينصر رسله بإخلاص ونية صالحة ، باستعمال الحديد ، في أسلحة الجهاد ومقاومة الأعداء ، إن اللّه قوي قادر عزيز قاهر غالب ، يستطيع دفع عدوان الظالمين ، وينصر رسله والمؤمنين من غير حاجة إليهم ، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وبثوابه ، ويحققوا لأنفسهم العزة والمنعة والهيبة في قلوب الناس ، فإن حماية القيم والمبادئ تحتاج دائما إلى حماة أشداء ، ذوي بأس وإباء . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآية دستور المجتمع الإسلامي ونظام الحكم في الإسلام ، فهو مجتمع يحكم بشريعة سماوية ، على منهج الحق والعدل والمساواة ، وفي ظل من القوة الحامية لمبادئ التشريع الرادعة الزاجرة كل من يتجرأ على انتهاكها أو النيل من قدسيتها ، أو محاولة القضاء عليها ، أو عرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج . أساس هذه الشريعة : المعجزات البيّنة والشرائع الظاهرة التي تضمنتها الكتب السماوية ، واحتواها وصاغها خاتم هذه الكتب وهو القرآن العظيم دستور الحياة البشرية . ومنهج الحكم في شريعة اللّه تعالى هو التزام الحق والعدل في المعاملات فبالعدل قامت السماوات والأرض ، وهو المعبر عنه بالميزان ، الذي دل عليه قوله تعالى : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [ الرحمن 55 / 7 - 9 ] . والحديد رمز القوة الرادعة لكفالة احترام الأحكام في دار الإسلام ، ولتأديب المعتدين والمعادين لشرع اللّه ودينه وحرمات أهله ودياره . روى عمر رضي اللّه