وهبة الزحيلي
320
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل غَيْثٍ مطر . أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ أعجب الزراع نباته الناشئ عنه . ثُمَّ يَهِيجُ ييبس بعد أن كان أخضر . حُطاماً هشيما متكسرا من الجفاف أو اليبس . وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن آثر عليها الدنيا . وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن آثر الآخرة ، وهذا تنفير عن الانهماك في الدنيا ، وحث على العمل للآخرة . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي وما التمتع في الدنيا . إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ متاع الخديعة لمن أقبل عليها ونسي الآخرة . سابِقُوا سارعوا مسارعة السابقين في مضمار السباق . إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إلى موجبات المغفرة . وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي عرضها كعرضهما ، وإذا كان العرض كذلك ، فما ظنك بالطول ؟ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فيه دليل على أن الجنة مخلوقة ، وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقها . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ذلك الموعود به من الجنة والمغفرة يتفضل اللّه به على من يشاء من عباده من غير إيجاب ولا إلزام . وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ واللّه واسع الفضل ، لا يبعد منه التفضل بذلك . المناسبة : بعد أن ذكر اللّه تعالى أحوال الفريقين : المؤمنين والكافرين في الآخرة ، أردفه بما يدل على تحقير أمور الدنيا ، وكمال حال الآخرة ، فإن الدنيا قليلة النفع سريعة الزوال ، والآخرة تامة الفائدة ، خالدة باقية ، ولا شك أن الأدوم الأخلد مفضل على المؤقت ، لذا أعقبه بالحث على ما يوصل إلى مغفرة اللّه ورضوانه والفوز بالنعيم الأبدي . التفسير والبيان : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أي اعلموا أيها الناس جميعا أن الحياة الدنيا مجرد لعب لا جدّ ، ولهو يتلهى به ثم يذهب ، وزينة يتزيّن بها مؤقتا ، ومفخرة يفتخر بها بعضكم على بعض بكثرة الأموال وعدد الأولاد . كما قال تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ