وهبة الزحيلي

297

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ استعارة ، حيث استعار الظُّلُماتِ للكفر والضلالة ، و النُّورِ للإيمان والهداية . مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً استعارة تمثيلية ، مثل حال المنفق بإخلاص بمن يقرض ربه قرضا واجب الوفاء . المفردات اللغوية : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صدقوا بوحدانية اللّه تعالى وبرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وداوموا على الإيمان بهما . وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أنفقوا في سبيل اللّه من الأموال التي جعلكم خلفاء في التصرف فيها ، فهي في الحقيقة له ، لا لكم ، وسيخلفكم بدلا عنها ، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له على النفس . فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ هذا وعد فيه عدة مبالغات هي جعل الجملة اسمية ، وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق ، وبناء الحكم على الضمير ، وتنكير كلمة الأجر ، ووصفه بالكبر . وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ خطاب للكفار ، أي لا مانع لكم من الإيمان . وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أخذه اللّه عليكم في عالم الذر حين أشهدكم على أنفسكم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، وكذلك بعد وجودكم ، إذ أقام الأدلة على وجوده وتوحيده في الأنفس والآفاق ، ومكنكم من النظر بالعقل والتفكير . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم مريدين الإيمان به ، فبادروا إليه . آياتٍ بَيِّناتٍ هي آيات القرآن . لِيُخْرِجَكُمْ اللّه تعالى ، أو عبده محمد صلى اللّه عليه وسلم . مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان . لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث نبّهكم بالرسل والآيات ، ولم يقتصر على الحج العقلية . وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي وما لكم بعد إيمانكم ألا تنفقوا في سبيل الجهاد وفيما يكون قربة إليه . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أنه يرث كل شيء فيهما ، ولا يبقى لأحد مال ، وإذا كان الأمر كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى ، وهو الثواب ، كان أولى . لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أي لا تساوي بين المنفق قبل فتح مكة وقاتل الأعداء ، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، لوجود السبق في الإيمان ، وقوة اليقين ، وتحرّي المصالح العامة للمسلمين . وذكر القتال للاستطراد . والمراد بالفتح فتح مكة الذي أعز اللّه به الإسلام ، وكثر أهله ، وقلّت الحاجة إلى الإنفاق والمقاتلة . وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي وكلّا من الفريقين وعده اللّه المثوبة الحسنى ، وهي الجنة . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بأعمالكم الظاهرة والباطنة ، فمجازيكم على حسبها .