وهبة الزحيلي

278

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

رسوله ، وإنكار المعاد ، ثم أعاد الكلام على أحوال الأصناف الثلاثة الذين بدئت بهم السورة : السابقين المقربين ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، وما يلقاه كل صنف من الجزاء يوم القيامة ، ثم أخبر اللّه نبيه بأن هذا الخبر هو الحق الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب ، وأمره أن ينزه ربه عن كل نقص وغيره مما لا يليق به . التفسير والبيان : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ أي أقسم بمساقط النجوم وهي مغاربها ، وللّه في رأي الجمهور أن يقسم بما شاء من خلقه ، وهو دليل على عظمته . وإنما خص القسم بمساقط النجوم ، لما في غروبها من زوال أثرها ، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يزول تأثيره ، لذا استدل إبراهيم عليه السلام بالأفول على وجود الإله ، وكذلك لا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة . وجاء القسم على هذا النحو : فَلا أُقْسِمُ بالنفي مريدا : أُقْسِمُ ، لأن العرب تزيد ( لا ) قبل فعل أُقْسِمُ كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه ، فيفيد التأكيد ، والمراد أن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ما ، فضلا عن هذا القسم العظيم . وورد القسم على مثال ذلك كثيرا في القرآن الكريم ، مثل : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ [ الانشقاق 84 / 16 ] و فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ [ التكوير 81 / 15 ] و لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ القيامة 75 / 1 ] و فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ [ الحاقة 69 / 38 ] و فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [ المعارج 70 / 40 ] و لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد 90 / 1 ] و وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ القيامة 75 / 2 ] . ويرى بعض المفسرين أن ( لا ) ليست زائدة لا معنى لها ، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي ، كقول عائشة رضي اللّه عنها : « لا واللّه ما مسّت يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يد امرأة قط » .