وهبة الزحيلي
273
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثم ذكر اللّه تعالى النار التي بها الإصلاح ، فهي أيضا نعمة ، واللّه هو الذي أنشأ شجرتها التي يكون منها الزناد وهي المرخ والعفار ، وإذا عرف أن اللّه هو المخترع الخالق ، وعرفت قدرته على خلق الأشياء ، فليشكروه ولا ينكروا قدرته على البعث . ونار الدنيا أيضا موعظة للنار الكبرى ، وسبب منفعة وتمتع للمسافرين وكل الناس ، فلا يستغني عنها أحد في مرافق الحياة والمعايش ، فيها الخبز والطبخ والإنارة والطاقة المولدة لمحركات الآلات الحديثة في البر والجو والبحر ، وهذا تذكير بالإنعام الإلهي على الناس . وما عليك أيها الإنسان بعد إيراد هذه الأدلة والتذكير بهذه النعم إلا أن تنزه اللّه عما أضافه إليه المشركون من الأنداد ، والعجز عن البعث . ويلاحظ حسن الترتيب في بيان هذه الأدلة ، حيث بدأ تعالى بذكر خلق الإنسان ، لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم ، ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معاشهم وهو الحبّ ، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين ، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز . وذكر عقيب كل واحد ما يمكن أن يأتي عليه ويفسده ، فقال في الأولى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وفي الثانية : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً وفي الثالثة : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ولم يقل في الرابعة وهي النار ما يفسدها ، بل قال : نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً تتعظون بها ، ولا تنسون نار جهنم ، كما أخرج الترمذي عن أبي سعيد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، لكل جزء منها حرها » .