وهبة الزحيلي
27
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
( 69 ) أي مشوي على الرّضف ( الحجارة المحماة ) . وبعد أن أدناه منهم ووضعه بين أيديهم دعاهم بتلطف وأدب ، وعرض حسن قائلا مستحثا : أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ وقد انتظمت الآية آداب الضيافة ، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة ، دون سابق عرض ، لأن إبراهيم عليه السلام كان جوادا كريما ، وأتى بأفضل ماله ، وهو عجل فتيّ سمين مشوي ، لأن جلّ ماله كان البقر ، ووضعه بين أيديهم ، ودعاهم على سبيل التلطف في العرض قائلا : ألا تأكلون ؟ فأعرضوا ، لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي فلما أعرضوا عن الطعام ولم يأكلوا ، أحسّ في نفسه خوفا منهم ، على عادة الناس أن الامتناع عن الطعام لشرّ مبيت ، وأن من أكل من طعام إنسان ، صار آمنا منه ، فظن إبراهيم عليه السلام أنهم جاؤوا للشر ، ولم يأتوا للخير ، كما في سورة هود : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ( 70 ) . قالُوا : لا تَخَفْ ، وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي قالت الملائكة لإبراهيم : إننا ملائكة رسل من اللّه تعالى ، كما في آية أخرى : قالُوا : لا تَخَفْ ، إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ [ هود 11 / 70 ] . وبشروه « 1 » بغلام يولد له ، كثير العلم بعد البلوغ ، وهو إسحاق عليه السلام ، كما قال تعالى : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [ هود 11 / 71 ] وتضمنت البشارة شيئين مفرحين ، هما كونه غلاما ذكرا ، وكونه عالما ، والعلم أكمل الصفات .
--> ( 1 ) وفي سورة الصافات : وَبَشَّرْناهُ أي بواسطة الملائكة .