وهبة الزحيلي
262
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
[ النازعات 79 / 13 - 14 ] . وقال سبحانه : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ، يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود 11 / 103 - 105 ] . وقوله : قُلْ إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور . وأما عدم تعيين يوم القيامة فلئلا يتكل الناس . ثم ذكر اللّه تعالى بعض مظاهر العذاب في المأكل والمشرب ، فقال : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ، لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ، فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أي إنكم معشر الضالين عن الحق ، الذين أنكرتم وجود اللّه ووحدانيته ، وكذبتم رسله ، وأنكرتم البعث والجزاء يوم القيامة : إنكم ستأكلون في الآخرة من شجر الزقوم الذي هو شجر كريه المنظر ، كريه الطعم ، حتى تملؤوا بطونكم ، لشدة الجوع ، ثم إنكم سوف تشربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحار ، لشدة العطش ، ويكون شربكم منه شرب الإبل العطاش الظماء ، التي لا تروى لداء يصيبها ، أي لا يكون شربكم من الحميم شربا معتادا ، بل مثل شرب الهيم التي تعطش ولا تروى أبدا بشرب الماء حتى تموت ، قال ابن عباس وجماعة من التابعين : الْهِيمِ الإبل العطاش الظماء . وقال السدي : الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدا حتى تموت ، فكذلك أهل جهنم ، لا يروون من الحميم أبدا . وعن خالد بن معدان : أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم غبة واحدة ، من غير أن يتنفس ثلاثا . ثم أبان اللّه تعالى أن هذا عذابهم ، فقال : هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ أي هذا الذي وصفنا من المأكول والمشروب ، من شجر الزقوم ، وشراب الحميم هو على سبيل السخرية والاستهزاء ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم ، وهو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة . وفي رأي الرازي : أن هذا ليس كل العذاب ، بل هذا أول ما يلقونه وهو بعض منه .