وهبة الزحيلي

255

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وظل دائم باق لا يزول ، وماء منصبّ يجري بالليل والنهار أينما شاؤوا ، لا تعب فيه ، وفاكهة متنوعة وكثيرة ، لا تنقطع أبدا في وقت من الأوقات ، كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات ، ولا تمتنع على من أرادها في أي وقت ، على أي صفة ، بل هي معدّة لمن أرادها . أما فاكهة السابقين فإنهم يتخيرونها تخيرا . ويلاحظ أنه قدم الشجر المورق على الشجر المثمر ، على طريقة الارتقاء من نعمة إلى نعمة فوقها ، والفواكه أتم نعمة ، وذكر الأشجار المورقة بأنفسها وذكر أشجار الفاكهة بثمارها ، لأن حسن الأوراق عند كونها على الشجر ، وأما الثمار فهي في أنفسها مطلوبة ، سواء كانت عليها أو مقطوعة . ووصف الفاكهة بالكثرة لا بالطيب واللذة ، لأن طيبها معروف بالطبيعة ، والمقصود بيان الكثرة والتنوع لإفادة التنعم الواسع ، ووصفها بقوله : لا مَقْطُوعَةٍ للدلالة على أنها ليست كفواكه الدنيا ، فإنها تنقطع في أكثر الأوقات والأزمان ، وفي كثير من المواضع والأماكن ، كما أنه وصفها بكونها غير ممنوعة بثمن أو عوض أو غيره ، خلافا لفاكهة الدنيا التي تمنع عن البعض ، وقدم كونها غير مقطوعة على المنع ، لأن القطع للموجود ، والمنع بعد الوجود ، لأنها توجد أولا ، ثم تمنع . ثم ذكر اللّه تعالى وسائل التمتع في المجالس ، فقال : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أي وأهل اليمين يجلسون وينامون على فرش مرفوعة على الأسرّة ، ورفيعة القدر والثمن . والفرش جمع فراش : وهو ما يفترش للجلوس عليه والنوم . وقيل : الفرش مجاز عن النساء ، والمعنى : ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن . ثم ذكر تمتعهم بالنساء ، فقال : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ، عُرُباً أَتْراباً ، لِأَصْحابِ الْيَمِينِ