وهبة الزحيلي

204

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقد تنوعت عبارات القرآن في بيان هذا ، باعتبار مراتب الخلق : مِنْ تُرابٍ ، مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي طين متغير ، أو مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي لاصق باليد ، من صلصال ، فهذا إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولا من التراب ، ثم صار طينا ، ثم حمأ مسنونا ، ثم لازبا ، ثم كالفخار ، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك ، ومن ذلك . وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ أي وأوجد الجنّ من طرف النار ، وهو المارج ، أي الشعلة الصاعدة ذات اللهب الشديد ، التي لا لهب فيها ، المختلط الألوان المضطرب ، كالأصفر ، والأحمر ، والأخضر وغيرها . أخرج الإمام أحمد ومسلم عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي نعم اللّه يا معشر الثقلين : الإنس والجن تكذبان أو تنكران مما هو واقع ملموس ؟ ! رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي ربّ مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ، وربّ مغربي الشمس في الصيف والشتاء ، وبهما تتكون الفصول الأربعة ، وتختلف أحوال المناخ من برد وحرّ واعتدال ، وغير ذلك من المنافع العظيمة للإنسان . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي نعم اللّه هذه تكذبان أو تنكران ؟ وأما قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [ المعارج 70 / 40 ] فذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس . وقوله سبحانه في آية أخرى : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل 73 / 9 ] ، فالمراد منه جنس المشارق والمغارب . ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس