وهبة الزحيلي
189
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
3 - إن تعذيب الكفار لا يقتصر على الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة والذل والهوان ، وإنما لهم عذاب آخر في الآخرة أشد وأعظم ، وأدهى وأمرّ ، وأدوم وأخلد . . 4 - إن الكفار والمشركين في حيدة عن الحق واحتراق في نار جهنم ، ويجرّون على وجوههم في النار بقصد الإذلال والإهانة . 5 - اللّه تعالى خالق كل شيء وخالق أفعال العباد كلها دون جبر ولا إكراه عليها : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات 37 / 96 ] وقوله تعالى هنا : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فاللّه قادر ، غير أنه لم يجبر أحدا على ما يفعله بل تركه لاختياره وحريته . ويعد المشركون قدرية لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير اللّه من الكواكب ، وطائفة القدرية من المسلمين يوصفون بهذا الوصف لقولهم : لا قدرة للّه على تحريك العبد بحركة ، كالصلاة والزنا ، وإنما العبد يخلق أفعال نفسه . قال القرطبي : والذي عليه أهل السنة : أن اللّه سبحانه قدّر الأشياء ، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه ، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه ، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة ، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير اللّه تعالى بقدرته وتوفيقه وإلهامه ، سبحانه لا إله إلا هو ، ولا خالق غيره ، كما نص عليه القرآن والسنة ، لا كما قالت القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا ، والآجال بيد غيرنا . قال أبو ذرّ رضي اللّه عنه : قدم وفد نجران على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا ، فنزلت هذه الآيات إلى قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فقالوا : يا محمد يكتب علينا الذنب