وهبة الزحيلي

172

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

جعلنا أعينهم مطموسة لا شق لها ، وأزلنا أثرها . فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ أي فقلنا لهم على ألسنة الملائكة : ذوقوا إنذاري وتخويفي ، أي ثمرته وفائدته . بُكْرَةً أول النهار . عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ دائم يستقر بهم إلى أن يهلكوا ، أو يتصل بعذاب الآخرة . فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال البيضاوي : كرر ذلك في كل قصة إشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب ، واستماع كل قصة مستدع للادّكار والاتعاظ ، واستئنافا للتنبيه والإيقاظ ، لئلا يغلبهم السهو والغفلة ، وهكذا تكرير قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ونحوهما . وإنما لم يقل هنا فَكَيْفَ كانَ عَذابِي كما قال في القصص الثلاث الأخرى ، لأن التكرار ثلاث مرات بالغ كاف ، ويحصل التأكيد بالثلاث . المناسبة : هذه قصة رابعة هي قصة قوم لوط ، ذكرها اللّه تعالى لبيان السبب وهو تكذيب الرسل وارتكاب الفواحش ، وبيان العقاب الشديد وهو التدمير والإهلاك ، ليعتبر كل الناس ، ويعلموا أنه ما من هلاك إلا بعد إنذار بالعذاب على لسان رسول ، ثم تكذيبه . التفسير والبيان : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ هذا حال قوم آخرين ، وهم قوم لوط الذين كذبوا رسولهم وخالفوه ، وكذبوا بالآيات التي أنذرهم بها ، واقترفوا الفاحشة . ثم بيّن اللّه تعالى عذابهم وإهلاكهم ، فقال : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ أي إننا أرسلنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء ، وهي الحصى والحجارة ، فأهلكتهم ودمرتهم إلا لوطا عليه السلام ومن آمن به واتبعه ، فإنا أنجيناهم من الهلاك في آخر الليل أو في قطعة من الليل وهو السدس الأخير ، نجوا مما أصاب قومهم .