وهبة الزحيلي
159
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
2 - وصفوه بأنه مجنون إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه ، حيث رأوا ما عجزوا عنه . وأخبر تعالى عنه : وَازْدُجِرَ دليل على الحجر عليه ومنعه من تبليغ دعوته بالسبّ والوعيد بالقتل . ويصح أن يكون ذلك حكاية قولهم ، وتقديره : قالوا : مجنون مزدجر ، ومعناه ازدجره الجن ، قال الرازي : والأول أصح . 3 - لما زجروه وانزجر عن دعوتهم دعا ربّه : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ أي غلبوني بتمردهم فانتصر لي . 4 - أجاب اللّه دعاءه ، وأمره باتخاذ السفينة ، ثم أغرقهم بالطوفان بماء كثير منصب متدفق من السحب ، وماء نابع من الأرض فالتقى الماءان : ماء السماء وماء الأرض على حال قدرها اللّه وقضى بها من الأزل ، لعلمه بتكذيبهم . 5 - ونجى اللّه نوحا عليه السلام ومن آمن معه بحملهم على سفينة ذات ألواح شدت بمسامير ، وفي حفظ اللّه ورعايته وكلاءته ، وقد جعل اللّه ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه الذين جحدوا برسالته ، وعقابا للكافرين على كفرهم باللّه تعالى . 6 - لقد ترك اللّه هذه الغفلة أو السفينة عبرة ، فهل من متعظ خائف ؟ ! قال قتادة : أبقاها - أي السفينة - اللّه بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية ، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة كانت بعدها ، فصارت رمادا . 7 - عقب اللّه تعالى على القصة بأمرين : أولهما - فكيف كان العذاب والإنذار ؟ تنبيها عاما للخلق . وثانيهما - لقد سهل اللّه القرآن الكريم للاتعاظ والادّكار ، أو للحفظ وأعان عليه من أراد حفظه . قال سعيد بن جبير : ليس من كتب اللّه كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن .