وهبة الزحيلي
157
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهذا دليل على أن اتخاذ الأسباب لتحقيق النتائج أمر ضروري ، وهو أيضا محتاج إلى رعاية اللّه وعنايته وحفظه . ثم ذكر اللّه تعالى أنه أبقى السفينة عبرة لمن بعدهم ، فقال : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي لقد أبقينا السفينة عبرة للمعتبرين ، أو لقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة ، فهل من متعظ ومعتبر ، يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها . قال قتادة : أبقى اللّه سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة ، وعقب عليه الحافظ ابن كثير قائلا : والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفينة ، كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ [ يس 36 / 41 - 42 ] ، وقال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [ الحاقة 69 / 11 - 12 ] « 1 » ولهذا قال ها هنا : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها ؟ ! فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي فانظر أيها السامع كيف كان عذابي لمن كفر بي ، وكذّب رسلي ، ولم يتعظ بما جاءت به نذري المرسلون ، وكيف انتصرت لهم ، وأخذت لهم بالثأر ، أو كيف كانت إنذاراتي ؟ والاستفهام للتوبيخ والتخويف ، وإنما أفرد العذاب فلم يقل : أنواع عذابي ، وجمع النذر ، إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب ، لأن الإنذار إشفاق ورحمة . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ أي لقد سهلناه
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 4 / 264